التخطي إلى المحتوى

الوافدون… وعنصريتنا البغيضة!

لطالما كانت الكويت واحة وارفة لكل من يتفيأ بظلالها، كنا دولة فقيرة يبحث أجدادنا فيها عن لقمة العيش فيتحصلون عليها بشق الأنفس وكان الناس آنذاك راضين بأقدار الله ويحمدونه عليها، وكان التكافل الاجتماعي منذ بدء نشأة الدولة من أصول حياتنا، وكان الكويتيون وما زالوا مضرب الأمثال في إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج ومساعدة المكروب، ثم فتح الله علينا كل أبواب الرزق وأصبحت الكويت بعد الفقر الشديد والجوع القاتل والعطش المهلك.

يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وعاش أهلها بنعم عظيمة لا تعد ولا تحصى، وشاء الله تعالى أن يتقاسم معنا لقمة العيش الشريفة إخواننا الوافدون ممن تحتاج الكويت علمهم وخبراتهم وجهودهم للمشاركة في بناء الدولة، فعملوا معنا كتفاً إلى كتف ويداً بيد، ساعدونا في استخراج النفط من باطن الأعمال، وخططوا مدننا الحديثة وأشادوا بنيانها وشقوا طرقها، وشغلوا محطات توليد الطاقة الكهربائية ومحطات تحلية المياه المالحة، وعالجنا أطباؤهم وعلمنا مدرسوهم.

وجمع قمامتنا عاملو نظافتهم، وعالج صرفنا الصحي فنيوهم واستوردنا الحبوب والفاكهة والغذاء من بلدانهم، ثم قاسمونا الحزن والألم لاحتلال بلادنا، ثم شاطرونا فرحة التحرير وعودة الحق إلى أهله، ثم نتفاجأ بأصوات ناعقة مرتفعة تطالب بإجلاء الوافدين ومحاربتهم في أسباب أرزاقهم وتأليب الغوغاء عليهم، وكأنهم أعداؤنا وليسوا من شاركونا بناء دولتنا حتى بلغنا ما بلغنا من الخير والرفعة والتطور.

وفي مراجعة بسيطة لإحصاءات الجهات المختصة، نجد أن عدد الوافدين من العمالة المنزلية ومن في حكمهم يصل إلى أكثر من مليون ونصف المليون شخص، من أصل مليونين و700 ألف مقيم في الكويت، أي أن نحو ثلثي الوافدين في خدمة منازل الكويتيين، وعدد المقيمين العرب العاملين في الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية لا يصل إلى 60 ألف وافد، ويتضمن ذلك أيضاً شاغلي الوظائف في السلك القضائي والأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات والمدرسين وفنيي الطوارئ والمسعفين وفنيي المصافي النفطية والمسعفين وشاغلي الوظائف المدنية في وزارات الدولة.

ثم هناك العاملون في قطاع العمل الأهلي في المستشفيات الخاصة والعيادات الطبية والشركات التجارية العامة في قطاعات الألبسة والمواد الاستهلاكية وشركات الخدمات الغذائية وشركات النظافة وشركات الدعم اللوجستي وكل ما يخدم الكويت وأهلها.

من العار على بعض النواب أن يرفعوا عقيرتهم وصوتهم النشاز لمحاربة الوافد في باب رزقه، ومزاحمته والتضييق عليه لطرده من الكويت التي يعتبر كثير منهم أنها وطنه وملاذه ومستقر حياته.

ومن العار الأكبر أيضاً أن تستجيب الحكومة لدعوات غربان السوء من خلال فرض رسوم باهظة على مرضى الوافدين الذين قضوا زهرة شبابهم معنا ثم نريد أن نتنكر لهم ونمنح مخالب المرض فرصة نهش أجسادهم التي أضناها العمل لأجلنا.

التاريخ سيكتب هذه المرحلة بمداد قيح نتن إن لم نتدارك أنفسنا ونقف في وجه من يريد لكويتنا السوء وللمقيمين بين ظهرانينا الأسى والتعب والهم.

الإنصاف مطلوب والعدالة ميزان الله في الرحمة وكما تدين تدان «…وتلك الأيام نداولها بين الناس» ونحن كما كل العقلاء لا نريد أن تتحول الكويت إلى مجتمع تعاقدي بل نريدها مجتمعاً تراحمياً كما كانت دوماً، فاستحقت رحمة الله لها وإغداقه من النعم عليها.الرأي.