التخطي إلى المحتوى

عقلك يخفي عنك أسراراً

عقلك يخفي عنك أسراراً
أسرار العقل

عقلك يعرف ما لا تعرفه ولكنه يخفي عنك ذلك حتى لا يزحمك بذكريات يراها غير ضرورية، ولأنه يحتاج إلى وقت ومجهود لاستخراجها من تحت بقية المعلومات والأحداث والخبرات الجديدة، فعقلك اللاواعي يخزن المعلومات من عمر أصغر مما تتخيل! وليست عملية احتفاظه بهذه المعلومات المهملة العملية الوحيدة التي يقوم بها عقلك دون علمك، فهناك العديد من العمليات الموازية المتعلقة باستقبال وتشفير المعلومات وربطها بالأحداث اليومية والمستجدات المتتالية في حياتك تتم في الخفاء! والقصة التالية تقدم لك مثالاً لأحدها.

طبيب نفسي دعي لحضور مؤتمر دولي، وكان في قمة الحماس والسعادة أثناء مقابلته للعديد من الأسماء البارزة في مجاله، واطلاعه على الترتيبات المميزة لبرنامج المؤتمر يوم الغد، في أحد ممرات الفندق أخبره الموظف المسئول أن شخصاً آخر سيتشارك معه غرفته المعدة لاستضافته، رحب بذلك بكل سرور بعد أن عرف اسم الشخص الذي كان يتلهف كثيراً للقائه، ولكن كل شيء تغير في الدقائق لتالية حين قابل الشخص وبلغه بترحيبه بإقامتهما معاً، فما أن التفت الرجل عائداً إلى المصعد حتى شعر الطبيب بحزن شديد، وضيق غير مفسّر، وأبلغ المنظمين على الفور أنه لا يقبل الإقامة في غرفة مشتركة، وأنه لا يريد في ذلك أي نقاش.

وبعد أن استعان بزميل له في استخدام عدد من التقنيات النفسية لتفسير ما حدث له، توصل إلى أنه وعندما كان في الثانية من عمره توفي والده، وكانت والدته حزينة جداً وتشعر بثقل المسئولية على عاتقها، ولأنها لم تكن تريد اشعار طفلها ببكائها وضعفها وهمّها الذي تحمله فإنها كانت تجلس أمامه بحيث يرى ظهرها وكتفيها المنحنيين إلى الأمام، تماماً كشكل ظهر ذلك الرجل الذي كان سيقيم معه، بنفس ذلك الانحناء المثقل، وبنفس شعور الإعراض والإهمال الذي كان يشعر به في تلك اللحظة من والدته التي كانت تصر على تجاهل بكائه وعدم الالتفات إليه لفترات طويلة.

ما قام به العقل في تلك الحادثة أنه جعل شكلاً معيناً رابطاً ومستدعياً لمشاعر الحزن والضيق ودالاً على الإعراض والإهمال من الآخرين، وبشكل أبسط، فإن رائحة عطر معين تجعلك تشعر بشعور كنت تشعر به في وقت سابق كنت تستخدمه فيه، والمذاكرة على فراشك تنتهي دوماً بالنعاس المبكر لأن عقلك قد ربط هذا المكان بالنعاس والنوم، وتفاصيل صغيرة في وجوه الناس أو حركاتهم تجعلك تحبهم مباشرة لأن عقلك أنشأ لك روابط لتلك التفاصيل التي كانت في والديك أو معلمك الذي تحبه أو عمتك الحنونة أو خالتك التي تجيد طهي أصناف الطعام التي تحبها.

أصبح بإمكانك الآن أن تفهم سر ما تشعر به أحياناً من تغير حالتك المزاجية فجأة، وسر عدم ارتياحك لشخص لم تتعامل معه بعد، وتقتنع أن الحب من أول نظرة ماهو إلا نتاج عملية قام بها عقلك مسبقاً وليس لأنك يا روميو زمانك قد وجدت أخيراً جولييت!

شيماء الرشيد