التخطي إلى المحتوى

الحاسة السابعة (متصل الآن)

الحاسة السابعة (متصل الآن)
متصل الآن

في قصة سينمائية يمتلك البطل وهو مصارع ضعيف قدرة جديدة تمكنه من قراءة أفكار الآخرين، أدت هذه المهارة بالتأكيد لتحقيق سلسلة من النجاحات في عمله حيث أصبح بمقدوره معرفة التحركات القادمة لخصمه وإبطالها، ما لم يكن يتوقعه أن جوانب حياته الأخرى ستتعرض للكثير من المصاعب والمشكلات والخصومات بسبب معرفته لما يدور في أذهان أفراد أسرته وأصدقائه وزوجته، لتتحول قدرة معرفة ما لا يبديه الآخرون لديه إلى نقمة عليه التخلص منها.

وبالمثل تطالعنا اليوم مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي بأدوات من شأنها إبلاغك بما لا يريد الآخرون إخبارك به، ففي تطبيق واتساب خاصية (متصل الآن) و (آخر ظهور) و (العلامات الزرقاء) التي تعطيك معلومة أن المتلقي قد قرأ رسالتك، وفي تطبيق فيسبوك (تمت قراءة رسالتك في تمام الساعة والدقيقة …) و (هؤلاء شاهدوا موضوعك في المجموعة)و خاصية (نشط الآن) والتي تظهر لك وصفاً لحالة الشخص إن كان متواجداً الآن أو تحدد لك قبل أي مدة بالتحديد كان نشطاً على الفيسبوك.

ومع كل إضافة في وسائل معرفة ما يخفيه عنك الآخرون تصيبك حالة من الغضب والاستياء والصدمة، فمجرد معرفة أن ابنك الذي أرسلت رسالة للاطمئنان عليه قد تواجد بعدها ثلاث مرات ولم يرد عليك شيء مؤلم، في حين لم يكن ذلك ليخطر لك على بال لولا أنك اُخبرت به، كنت دائماً ما تتخيله متلهفاً لكل ما يأتيه منك، وربما هو كذلك في الحقيقة يُكن لك أعلى درجات المحبة والاهتمام، ولكن هذه الوسائل لم ولن تتمكن من وصف حالاتنا الشعورية التي نمر بها، ضغوط حياتنا ومشاغلنا التي تسرقنا حتى من أنفسنا، لا تصور فرح عيوننا عند قراءة رسائل من نحب، بل تكتفي بالإبلاغ عن حقيقة رؤيتها وعدم ردها.

إن الآثار التي نتحدث عنها أكبر من مجرد عتب ولوم بين شخصين، فبمثل هذه التفاصيل تبدأ الشخصيات الشكاكة في التمدد، فقد وجدت مرعاً خصباً لها، يفرط الزوج الشكاك في متابعة نشاط زوجته، وتتوه الخطيبة في تفسير أوقات وأشكال نشاط خطيبها، ويصبح للشكوك السوداء دلائل مادية صحيحة تماماً ولكنها في الوقت نفسه خاطئة تماماً، فبدون مبالغة يمكن أن نتوقع حالات متعددة لمشكلات أسرية وقطيعة رحم وهجران بين المسلمين.

والمشكلة في أن الدعوة للتوقف عن استخدام هذه المواقع والتطبيقات عبث لا طائل منه، والحث على حسن استقبال وتفسير ما نجده ممن نتواصل معهم من خلالها يسهل قوله ويصعب تنفيذه، لذلك أتمنى أن تصبح عقولكم (نشطة الآن) لإيجاد حلول مناسبة تحافظ على ترابط مجتمعاتنا، فتواصلنا مع بعضنا له الكثير من الأبعاد الدينية والأسرية والاجتماعية، وليس مجرد صداقات وعلاقات عاطفية كما في العديد من دول العالم، فلنقدر خصوصيتنا.