التخطي إلى المحتوى

أن تعرف بعد فوات الأوان

أن تعرف بعد فوات الأوان
بعد فوات الأوان

كيف لها أن تعرف أن ذلك الرجل الذي وعدها بكل شيء سيكون حزنها، وأن ملامحه وطريقة كلامه السوية ليست سوى غطاء لشخصية غير سوية ستوجّه لها كل أنواع العنف اللفظي والجسدي، وأن أسرته التي كانت تصفه فتمدحه تعرف فيه قسوة لا مبرر لها، وعصبية لا أسباب مفهومة لها، وأن تزويجها منه محاولة لإصلاحه، أو ربما التخلص منه بإخراجه من حياتهم إلى حياة جديدة، وتحويل عنفه إلى وجهة أخرى مهما كان الثمن، وأيا كانت الضحية.

وكيف لتلك الأم أن تعرف أن ابنتها المتزوجة التي تطمئنها دائماً أنها بخير ليست بخير أبداً، وأن زيارتها الأسبوعية لهم مصدر شجار دائم، وأن أطفالها الكثر ليسوا علامة استقرار، وأنها حين زارتهم ليومين في مرضها كانت هاربة من جحيمه ثم لأسباب كثيرة قررت أن تعود، كيف لها أن تسمع بكاءها الذي تكتمه، وتعلم بحزنها الذي تخفيه، وتتذوق المرارة التي تعيشها، وهي لم تتحدث عن ذلك يوماً ولن تفعل.

كيف لتلك الأسرة التي تعيد ابنتها لزوجها في كل مرة تأتي مدمية منه أن تعرف أنها ستموت بين يديه في نوبة غضب معتادة، وأنها ستخرج من هذه الحياة مظلومة بلا ذنب جنته، فاقدة للأهل والملجأ والسند، وأن قصتها ستصبح مأساة العام وحديث الإعلام، وأن أطفالها الذين كانوا يشاهدون مسلسل العنف في بيتهم كل يوم ورأو بأعينهم مقتل أمهم وخذلان أهلها لها إما أن يمارسوا العنف في المستقبل أو يكونوا ضحايا له، وأنهم لن يستطيعوا الخروج من هذه الدائرة المأساوية إلا بتدخل نفسي علاجيّ وإرشاديّ.

كيف للضمائر التي تورد المواد المسكرة والمخدرة وتزرعها وتصنعها أن تفعل ذلك دون أن تعرف الأثر الذي يكبر كل دقيقة في حياة ملايين الأسر بسبب هذه السموم التي تدمر عقولاً سليمة، وتدمر كل شي جميل في حياتها، تحول أفراداً منتجين إلى مدمَرين ومدمرين، وتقلب حياتهم رأساً على عقب في مقابل مال مثبت ذنبه و منزوعة بركته، وكيف لمن ابتلي بهذا الابتلاء أن يبلي به غيره، أن يستبدل المحاولة في التعافي والبكاء لله أن يعينه ويلطف به ويرحمه مما به بسحب آخرين إلى عالم الضياع، آخرين ربما لا يعودون للحياة أبداً حتى لو تعافى هو وعاد، ليظلوا أكبر مخاطرة بآخرته لا يعلم ما سيكون حجمها إلا يوم العرض على ديان السماوات والأرض.

كيف لصديق وقريب وزميل عمل أن يخفي عن سائليه ما يعرفه عن مرض أو إدمان أو سلوك عنيف أو مشكلات سلوكية وانفعالية وعدم اتزان يعرفه عن المتقدم للزواج من ابنة لهم دون أن يعرف أنه ارتكب بسكوته جريمة كاملة، مع سبق الإصرار والترصد، يقطع حياة بنت بريئة، يقطع سعادتها ومعافاتها، فقط لأنه لا يريد أن يقطع النصيب! كيف يداري ويجامل ويستر ويدعي فيه الخير ثم ينام هانئاً مطمئناً وهي تتقلب مع ذلك الرجل في الجحيم.

إن العنف ضد المرأة مسئولية مجتمع، يسهم كل منا فيه علم أم لم يعلم، كفرد في عائلة المعنفة، أو جار يعلم ما يحدث، أو معلم يحكي له أحد طلابه شيئاً كهذا يحدث في بيتهم، أو فرد في عائلة المعتدي أو صديق له أو زميل، فبدلاً من أن تدفن رأسك في الرمل وتطلب الله السلامة، كن عوناً، لا تتخاذل حين يتوقف الأمر عليك، وتفقد من حولك، حتى لا تعرف بعد فوات الأوان.