التخطي إلى المحتوى

دوام الحال من المحال

دوام الحال من المحال
دوام الحال من المحال

عندما كنت طفلاً وحتى بعد أن كبرت قليلاً وبدأت تدخل عالم الكبار كنت تفكر في اللحظة الحالية فحسب، وتظن أن ما يحدث في حياتك من مكدرات ومصائب سيستمر، ولذلك كانت انفعالاتك بالغة الشدة، وتقلباتك المزاجية حادة.

والآن كبرت وما زلت غير قادر على رؤية الصورة الكلية للحياة، بأحداثها المتعاقبة، وتحولاتها المتتالية، وفجرها الذي يعقب بضوئه ليلها، عبر آلاف السنين.

ما زالت الأحزان تطيح بك دون أن تستطيع منها فكاكاً، والمشكلات تحيطك بأسوارها العالية فلا تستطيع رؤية الحياة التي ستعيشها عندما تنتهي هذه المشكلات، تنفجر غضباً في وجه طفلك عندما يخطئ كأن هذا السلوك قد أصبح ملازماً له، وتغضب من أخطاء زوجتك كأنها لا تفعل الكثير مما يغفر لها مثل تلك المغضبات الصغيرة، وتستسلم أمام عواصف الهم والغم لتدعها تذهب بك بعيداً، ثم لا تعيدك.

إن القدرة على رؤية الماضي والحاضر والمستقبل سوياً يتيح لنا مرجعاً حقيقياً، يحفل بالحوادث الماضية التي كادت تقتلنا هماً وها هي اليوم لا تمر على بالنا إلا قليلاً، وبالآخرين الذين كانت تدور بيننا وبينهم خلافات لم نكن نرى خلاصها سوى في فراقهم، فتحولت مع الأيام إلى ذكريات نتذكرها معهم بعد أن انصلح الحال وعادت المياه معهم إلى مجاريها، وكذلك مشكلات حاضرنا وهمومه ومصاعبه، ستمضي يوماً لتفسح المجال أمام المستقبل بأحداثه المختلفة، وأيامه الجديدة علينا.

لا نتذكر هذه الحقائق إلا عندما نواسي حزيناً، ونساعد متضرراً، ونصالح بين الناس، نبدع حينها في تنميق عبارات الإيمان بتغير الحال، وزوال الهم، نستشهد بكثير مما نحفظه أو سمعناه يوماً، ونعجز عن تذكر أي من ذلك عندما يكون الهم في ذلك اليوم، ضيفنا نحن.

حتى توقفنا الحياة يوماً أمام مصائب عافانا الله منها، ومآس لم نتخيل أنها موجودة على الأرض، نستمع مذهولين لقصص مرت بأناس وتجاوزوها، نفهم حينها أن كل ما مر بنا كان بسيطاً مقارنة بغيره، وجيداً عندما رأينا نتائجه التي خرجنا بها منه، فقد فزنا بالأجر وتعلم الصبر، وتقربنا من الله سبحانه بعد أن كادت الحياة أن تأخذنا بعيداً عن جنابه، تعلمنا كيف نكون واسعي الحيلة، دائمي الجهد، مصرين على ما نريد مهما قسا طريقه، ملكنا مهارة ترويض قساة الناس، وتمكنا من رؤية الجوانب الجميلة التي لم يرها أحد فيهم، فهمنا ظروف حياتهم وبيئتهم التي أخرجتهم، وآلام حياتهم التي اعتصرتهم ولم يحسنوا التكيف معها كما يجب، فغيرتهم إلى هيئة جديدة يقسون فيها بقدر ما ذاقوا القسوة، ويظلمون ليشفوا من قهر الظلم الذي وقع عليهم.

إن الأيام تمر بسرعة أكبر مما نشعر، لتذهب بكل ما أمامنا وتأتي بغيره، وتذهب بنا نحن أنفسنا وتأتي بآخرين، فبالتأكيد ستذهب بأحزاننا بعيداً.. وتمحيها.