التخطي إلى المحتوى

التربية بالحب

التربية بالحب
التربية بالحب

أشق المهمات الإنسانية وأجلها، مهمة التربية، فهي عملية متكاملة مستمرة بالزمن لا تتوقف ولا تنتهي.

فبالإضافة إلى بناء الأجسام بالتغذية وتنظيم النوم وعلاج الأمراض تشمل مهام الوالدين بناء العقل والعاطفة، وتهيئة إنسان قادر على مواجهة الحياة بظروفها المختلفة ومطباتها المتتالية، بإكسابه مهارات مثل كيفية التصرف في حال الغضب، وحدود ما يمكن اختياره من مسليات في أوقات الملل، وطرق تجاوز المحن والصدمات، ومهارات التواصل الاجتماعي وتكوين الصداقات وصلة الأرحام، وكيفية التعامل مع الأشخاص الذين يختلفون اختلافاً كاملاً في الطباع، وكيفية الدفاع عن النفس والأهل والممتلكات دون الوقوع في تجاوزات قانونية.

ولا شيء مثل التربية كفيل بإعطاء الشخص مفاتيح فهم البيئة التي يعيش فيها بكل عاداتها وتقاليدها وأنماط السلوك المقبولة فيها، وكيف يكون شخصاً محترماً في محيطه دون أن تذوب مميزاته الخاصة في سبيل الحصول على الرضا والقبول، وكيف يكون إضافة وتغييراً في حياة والديه فالتربية عملية متبادلة تبني كلا الطرفين وتضيف لهم، تعد شخصاً قادراً على أن يكون طرفاً في علاقة زواج ناجحة، يتوازن فيها الأخذ والعطاء، ويحترم كل طرف فيها عادات الآخر وطباعه وطموحاته، يخوض معه شراكة تبدأ ولا تنتهي.

إن الجو العام للأسرة يؤدي دوراً رئيسياً في عملية التربية، بالحرص على إبقاء الخلافات الزوجية بعيداً عن الأبناء، وإتاحة مساحات من الحرية يتصرف فيها الأبناء بناء على اختياراتهم الذاتية وليس إرضاءً لآبائهم، فمثل هذه الحرية داخل المنزل تتيح للوالدين معرفة السلوكيات السيئة لدى الأبناء ومعالجتها واستبدالها بسلوكيات بديلة جيدة، فالبيئة المنزلية الصارمة التي يدوم فيها التصاق الوالدين بأبنائهم مع النقد الدائم لتصرفات الأبناء تؤدي إلى لجوء الأبناء للمراوغة والحيل الدفاعية من نوع فعل الأشياء الجيدة في وجود الوالدين وأمامهم بينما هي لا تعكس أخلاق الابن الحقيقية وسلوكه خارج البيت، بينما تتم كثير من السلوكيات السيئة في الخفاء بعيداً عن الوالدين، ونتيجة لذلك يتفاجأ الكثيرون بعد أن يكبر أبناؤهم ويستقلوا بحياتهم بظهور شخصيات جديدة لهم لم يكونوا يعرفونها! وتجاوزات صارخة للدين والأخلاق والأمانة في عملهم ومجتمعهم الجديد، فقد كانت التربية بعيدة عن دواخل الأبناء وقيمهم التي لم يتح لها الظهور ليتم تقويمها.

إن الحب هو أعظم صفات المربي، فمن الحب يكون الدعم والتشجيع والتفهم واكتشاف مميزات الأبناء ونقاط القوة في شخصياتهم والعمل على تنميتها، به تغفر الزلات، وتستر العيوب، وينفتح الأبناء والآباء في تعامل لا يوجد سوى بين أفراد البيت الواحد، إضافة إلى صفات أخرى كدقة الملاحظة، والقدرة على التحليل، وسعة الاطلاع على مجالات الحياة التي يمكن أن تناسب أبناءه، والمرونة في تقبل جديد الحياة الذي سيعرفه معهم، فقد خلقوا لزمان غير زمانه، يعرف قدراتهم ومهاراتهم وما يناسبهم فيميل معه، لأنه يأخذ جانب ابنه لا جانب المجتمع، ويتمنى نجاحه حتى لو كان في طريق غير الذي هيأه له في أحلامه، وأن يمزج بين لين في موضعه، وحزم في موضعه، وأن يملك مهارة حل المشكلات، التي لا يتوقع من الابن امتلاكها بقدر ما يتوقع من الأب الذي يملك خبرة سنوات إضافية عاشها في هذه الحياة، وتجارب مرت به اكسبته التفهم والاحتواء ووسائل الإقناع.

إن العاطفة بين الآباء والأبناء عاطفة فطرية أصيلة تحتاج إلى إظهارها بالقول الطيب، والمواقف العميقة، لأن لها قوة قادرة على صنع المعجزات، باعتبارها أجود أنواع التربية، التربية بالحب.