التخطي إلى المحتوى

فاكهة المجالس

فاكهة المجالس
فاكهة المجالس

إن ذكر شخص بأمر سيء في غيبته من الأمور التي اتفقت الأديان والأعراف والأخلاق وقواعد التواصل الإنساني على التحذير منها، لأن لها آثاراً نفسية واجتماعية متعددة نعلم منها ونجهل.

فبالإضافة إلى تنعم الشخص الذي ذكرته بالسوء بحسناتك يوم القيامة، أو إلقاء ذنوبه عليك إذا نفدت حسناتك قبل أن يوفى حقه، فإن ذكر شخص بسوء في غيبته يعطي لمستمعك انطباعاً عنك ليس جيداً أبداً، فمثلما تحدثت له عن الغائبين يشعر أنك ستتحدث عنه في غيبته، تبدو كمنافق متلون تحسن إلى الناس في وجوههم ثم ما إن يديرونها حتى تذكر جوانب السوء فيهم حقيقة أو بهتاناً.

تقول الكلمة دون أن تفكر أنها ربما تناقلتها الألسن فوصلت إلى صاحبها فساءت العلاقة بينك وبينه، أو تسببت في إنقاص قيمته بين الناس وإساءة ذكره الطيب بينهم، تطلق لسانك بما لو قيل فيك لآلمك وأبكاك، ولو رأيته غداً في صحائف أعمالك لأهلكك وأشقاك، تقرأ الآية (ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) فتمر كأنك لم تسمعها.

إن أحد الأركان الأساسية للأمانة الشخصية التي تدرس في علم الإدارة كأحد السمات الأساسية للقادة تقوم على التعامل مع الجميع على أساس المبادئ، في حضورهم وغيبتهم، وربما أضيفت للمقابلات المتعلقة بالتوظيف أسئلة تتعلق بالعمل السابق للموظف وسبب تركه له ورأيه في مدير ذلك العمل وزملائه، وبالتأكيد فإن الحديث عن أولئك الغائبين بسوء ليست الإجابة المناسبة حتى لو كانت حقيقية.

وفي الاستشارات الأسرية فإن الطرف الذي يكيل الاتهامات والإساءات ويطيل سرد العيوب المتعلقة بالطرف الآخر يعطي المستشار فكرة عنه قبل أن تكون فكرة عن ذلك الغائب، ولذلك يحرص من يصلح بين طرفين أو يقضي بين متخاصمين أن يستمع للطرفين قبل أن يكون رأيه، فربما كان المشتكي ظالماً كما في قصة شريح القاضي حين جاءته امرأة تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها، فقيل له: أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف -عليه السلام- أباهم عشاء يبكون!