التخطي إلى المحتوى

بديل الإلحاح

بديل الإلحاح
بديل الإلحاح

إن كثرة التذمر والشكوى وإعادة الطلبات والتذكير بها والمقارنة بالآخرين والاحتفاظ بالمواقف الصغيرة الماضية سمة غالبة على الزوجات والأمهات، لها أسبابها ومعانيها التي تتعدى ظاهرها.

كل سيدة كانت قبل سنوات بنتاً في بيت أهلها، لا تحمل سوى همّ يومها، يحبها والداها وإخوتها، وتلتف حولها صديقاتها وقريباتها، يبدو عليها الصحة والشباب والتفاؤل، تخطئ فيتجاوز عن أخطائها، وتبكي فيلاحظ من حولها دموعها ويخففون عنها، لا تزيد مهامها على أداء صلواتها ومساعدة والدتها في ترتيب البيت ومذاكرة دروسها ومشاهدة التلفزيون والحديث إلى صديقاتها، ثم دارت دورة الزمان فجأة لتجد نفسها مسئولة عن كل شيء.

تتحمل المسئولية المباشرة عن نوم الأبناء في وقت مناسب ليستطيعوا الاستيقاظ باكراً، وإقناعهم بتناول الأغذية المفيدة حتى لا يصابوا بالأمراض وضعف المناعة، عليها أن تتذكر خياطة الأزرار المقطوعة وكي الملابس المدرسية وإفراغ بقايا الطعام قبل أن تفسد والقيام بالواجبات الاجتماعية في وقتها منعاً للقطيعة الاجتماعية، وتخاف أن يؤدي انشغالها بأبنائها لجفاء زوجها وبحثه عن غيرها، وتخاف أن تكون قد قصرت في واجب من أهم الواجبات الدينية عندما تنتبه لتباعد زيارتها لوالديها، تتمنى أن تصوم يوماً واحداً فلا تستطيع، وتبدأ في حفظ القرآن مع جارات لها ثم تنقطع، تبدأ آلام الظهر في الهجوم عليها كل مساء، وتتسم حركتها ببطء غير محبب بالنسبة لها، وتجد عند حديثها مع زوجها وأبنائها نظرات تشعرها بأنها لم تعد تفهم الحياة مثلهم، وأن أسئلتها ربما تتسم بشيء من السذاجة، وأن كل ما تقوم به ليس مقدراً أبداً.

تطلب من أبنائها دون فائدة مراعاة دراستهم وجمع ملابسهم المتسخة وزيارة أقاربهم لتهنئتهم أو تعزيتهم، وتكتب لزوجها قائمة احتياجات للمنزل لا تسمع عنها خبراً لأيام، فتتحول إلى متذمرة من الدرجة الأولى، تكرر حديثها كل يوم مرات مصحوباً بمشاعر قوية من الإحباط واللوم والرجاء والتهديد، وربما ظلت لسنوات تعيد نفس النصيحة على أبنائها دون أن يأخذ بها أحد ودون أن تتوقف عن تقديمها أيضاً، وتعيد مواقف قديمة وتربط أموراً ببعضها ربما لا يبدو هناك رابط بينها.

إن البديل البسيط للإلحاح حول موضوع معين هو إلزام الآخرين به، فما دام الأمر مهماً إلى درجة أنه ظل يتكرر لمدة طويلة في النقاشات الأسرية فإن الحل ببساطة في القيام بالأمر وانتهى، فبدلاً من التذمر الدائم من إلقاء الأبناء لملابسهم المتسخة في كل مكان يمكن للأم أن تخبرهم بجدية أن من يترك ملابسه خارج مجموعة الملابس المتسخة سيضطر لغسلها بنفسه، مع الالتزام بتنفيذ ما قالته فعلاً مهما كانت النتائج، فعندما يجد الابن نفسه في مشكلة متكررة بسبب أنه يجد ملابسه متسخة كلما أراد الخروج سيتأكد له أنها جادة فيما تقول، وسيكون من الأفضل له تحمل شيء من العناء بجمع ملابسه الملقاة بدل أن تكون عليه مهمة غسلها، أما مع الزوج فاختيار وقت الحديث أحد أهم الطرق لتفادي المشكلات، فليس من المناسب الحديث إليه بعد عودته من العمل مباشرة، وهو يشاهد مباراة مهمة، أو وهو يقوم بالتنقل بين القنوات التلفزيونية دون التوقف في أي منها!