التخطي إلى المحتوى

الحياة بدون هاتف

الحياة بدون هاتف
الحياة بدون هاتف

ننادي جميعاً اليوم بالعودة إلى الطبيعة! فقد اشتقنا أن تجتمع الأسرة كما كانت يتحدثون ويضحكون ويحلون مشكلاتهم، يخرجون لمقابلة جيرانهم وأهلهم وأصدقائهم، يذهبون إلى الحدائق والمنتزهات، ويجتمعون في المناسبات بنفوس منشرحة للقاء والمساعدة وجبر الخاطر، ويتبادلون الكتب والجرائد وما فيها من الأخبار والمعلومات والقصص، دون أن يكون بينهم من يركز بصره على جهاز ما وربما انزوى به في غرفة وحده، ودون أن يشعر الآباء والأمهات والأجداد بهذه الغربة التي يشعرون بها اليوم بين أبنائهم المشغولين بكل شيء، عداهم.

إن الهاتف هو أول الأجهزة التكنولوجية الشخصية وأوسعها انتشاراً، وفي معجم المعاني الجامع الهَاتِفُ هو الصَّوتُ يُسمَع دون أَن يُرى شخصُ الصائح وهو آلة تنقل الكلام والأصوات إلى بعيد والهاتف المرئيّ خدمة هاتفيّة تسمح للمستفيد برؤية الشَّخص الموجود على الجانب الآخر من الخطّ الهاتفيّ إضافة إلى سماعه والتحدُّث معه.

وحدهم الانطوائيون لم يقعوا في مصيدة التواصل الدائم عبر الهاتف، فقد أثبتت الدراسات حول العالم أن الشخص الانطوائي لا يحب الحديث عبر الهاتف ولا يجيب عليه في أغلب الأحيان، يمكنه أن يتواصل بأي شكل آخر، أما الهاتف بأشكاله المختلفة فلا وألف لا!

وفي كتابه (لا تهتم بصغائر الأمور) يقدم الكاتب ديوك روبنسون نصيحة أنه إذا ألقى إليك أحدهم بالكرة فلا يتوجب عليك التقاطها! ويرى أن أوضح مثال لذلك أن لا ترد على الهاتف عندما تكون مشغولاً أو ليس لديك الوقت أو الطاقة أو الحالة المزاجية المناسبة لذلك، فبإمكان من يريدك في أمر مهم إرسال رسالة تفيد بذلك، وكان المفكر الإسلامي أحمد أمين يرى أن فكرة الهاتف تجعله مثل الخادم يُرن عليه الجرس فيستجيب، وظل يرفض تركيب جهاز هاتف لمدة طويلة.

في حلقة من مسلسل كوميدي قديم كانت الفكرة أنه في عام 2000 سيكون التعامل فقط من خلال الأجهزة، وصوّر المشهد أسرة تتقبل العزاء في فقيد لها من خلال جلوسها أمام شاشة يظهر فيها الشخص المعزي ويقول (أحسن الله عزاءكم) فيرد عليه أهل البيت وقوفاً (شكر الله سعيكم) ثم يجلسون وهكذا، وفي نهاية اليوم يعانون من آلام في أقدامهم ويتبادلون الأحاديث عن المعزين ومواقف حدثت منهم، ومن غاب منهم ومن حضر، تماماُ كما في العزاء العادي، وهذا قريب جداً مما يحدث اليوم.

والحقيقة الطريفة التي أشار إليها د.أحمد خالد توفيق (جرّب أن تتعطل سيارتك في الصحراء، أو يحيط بك ستة من المسلحون ينوون ذبحك، أو تعلق في مصعد معطل في بناية تحترق، وستكتشف أن هاتفك الجوال لا يعمل أبداً عندما تتوقف حياتك عليه)!