التخطي إلى المحتوى

حياة تستحق أن تروى

حياة تستحق أن تروى
حياة تستحق أن تروى

لا تقاس الحياة بالسنوات، وإنما بالتجارب والأحداث والمعارف، تقاس بقدر ما مر علينا في هذه الحياة من مشاهد حقيقية لم تصنع خلف الشاشات، ومواقف كنا في قلبها وليس متفرجين عليها، وبقدر ما عرفنا من أشخاص اقتربنا منهم حتى أصبحت حياتهم لنا حياة موازية لم نعشها ربما، ولكننا نسير بجوارها خطوة بخطوة.

إن حياة إنسان عاش حذراً جباناً يؤثر السلامة وما يعرفه وما جربه حياة صغيرة ضيقة، فقد اختار أن يمحو الرغبة الملحة داخله للاستطلاع والاستكشاف والتجربة والتأمل، حصر معارفه في أشخاص محددين جمعته بهم الحياة لا يتحول عنهم ولا يضيف إليهم، أنس بشعور الأمان الذي كان يكسو علاقته بهم، فهو يعرف جيداً الأسر التي تربوا فيها، وأخلاقهم ومبادئهم التي يعيشون بها، ألف ملامحهم ونبرات أصواتهم وتعبيرات وجوههم، دون أن ينتبه إلى أن البشرية كتاب ضخم يضم ما لا يخطر له على بال من أشخاص مختلفين و متنوعين في بلدانهم وعاداتهم وثقافاتهم وأعمالهم وطباعهم  وأحلامهم، هم ميدان معرفة لا يدرك مداه، نغرف منه بقدر ما نقترب منه ونملك الشجاعة لفتحه.

إن في التغيير الذي نخافه ويقلقنا فرصة عظيمة للتعلم، فالمدينة الجديدة التي ننتقل إليها تعني عالماً متكاملاً يبدأ من جيراننا الجدد، وصاحب دكان الحي المطلع على كل أسراره، وطلاب الفصل الجديد الذي سندرس فيه، والطبيب الذي سنتابع معه مراجعتنا الدورية بشأن أمراضنا المزمنة، نعرف كيف يلبس الناس هنا ويتعاملون ويعملون، نتحول إلى ملاحظين دقيقين نلتقط أدق التفاصيل البشرية الاجتماعية ونسجلها، لنبدأ رحلة الاندماج معها، وهي رحلة شيقة لأنها تتضمن قدراً كبيراً من تغيير الذات وتجديدها، في ما يشبه إنعاشاً لها من حالتها الواحدة التي بقيت ملازمة لها لسنوات وسنوات.

والسفر في مهام تابعة للعمل بالرغم من ما يتضمنه من مشقة، فرصة لتنمية علاقاتنا بزملاء عمل لم نكن نعرف عنهم سوى أسماءهم، والإشراف على عمل تنفيذي على أرض الواقع لم يعد لنا به علاقة منذ تخرجنا البعيد من الجامعة، نمشي مسافات طويلة بعد سنوات من الجلوس خلف شاشة كادت أن تعمي أعيننا، نرى مدناً وولايات لم نزرها يوماً، ونزور فيها أصدقاء قدامى تفرقت بنا الحياة وبهم.

ومواسم الخيرات كشهر رمضان المبارك هي أمثلة حية على أن الزمن لا يقاس بالأيام والساعات وإنما بقدره وعظمه وبركته وما ننجزه فيه، فأيام شهر رمضان ولياليه حافلة بالهدايا الربانية والمنح الإلهية ومضاعفات الأجور وفرص الخيرات، هو وقت مبارك نقضيه سعداء ونحن نجمع أكوام الحسنات، ونشيد قصور الأجور.

نصل أرحاماً طال غيابنا عنها، ونرحم فقراء لم نكن نجد الوقت والهمة لنهتم بهم، ونغفر ونتصافح فتعود قلوبنا بيضاء قد غسلت ذنوبها، وأزالت أحقادها، وأصلحت ما بينها وبين خالقها سبحانه، وما بينها وبين الناس، بكت دموعاً بقدر ألمها وحزنها وهموم حياتها، ودعت لها وللمسلمين بخير الدنيا ونعيم الآخرة.

إنها حياة حافلة تلك التي تضيء بالعبادة، وتنشط بالعمل، وتتنوع بالتغيير، وتحفل بالبر والصداقة والمحبة الصادقة، فلنجعل حياتنا حياة تستحق أن تعاش، حياة نرويها لأبنائنا وأحفادنا، فتكون لهم محفزاً للسعي لمستقبلهم و إلهاماً لحياتهم